تحقيق

المكفوفون في المدينة المنورة بين الأدوات الرقمية وتحديات الفضاء الإلكتروني

تحقيق ميداني في المدينة المنورة يكشف عن الواقع الرقمي للمكفوفين، بين أدوات تساعدهم وأخرى تعرقل وصولهم للخدمات.

✍️ ط طيف الحربي ل لانا الهندي أ أميرة الذبياني ذ ذكرى الحربي
📅 ١٤ أبريل ٢٠٢٦ 👁 ٣ مشاهدة
المكفوفون في المدينة المنورة بين الأدوات الرقمية وتحديات الفضاء الإلكتروني

في زمن باتت فيه الهواتف الذكية مفاتيح للعالم، وأصبح الذكاء الاصطناعي رفيقاً يومياً للملايين، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: هل وصلت ثمار هذه الثورة التقنية إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها؟ هل استطاع الشخص الكفيف أن يقرأ بأذنيه عبر قارئات الشاشة، ويتجوّل بأمان عبر تطبيقات التوجيه الصوتي؟ في المدينة المنورة، حيث تجتمع روح التاريخ مع طموحات رؤية 2030، يقف الآلاف من المكفوفين وضعاف البصر أمام واقع مزدوج: تقنية واعدة لم تكتمل إتاحتها بصورة شاملة، وإرادة صلبة تأبى الاستسلام للعتمة، في هذا التحقيق، نغوص في عمق هذه المعادلة الإنسانية والتقنية، مستمعين إلى أصوات الأكاديميين والطلاب المكفوفين، من يعيشون التجربة الرقمية يوماً بيوم. 

 الفجوة  الحقيقية 

يرى د، غيثان صالح علي العمري، عضو هيئة التدريس في قسم التربية الخاصة بجامعة طيبة، أن الإشكالية ليست في شُح التقنية بل في غياب التدريب الممنهج على توظيفها: "نملك في المملكة اليوم منظومة تشريعية وتقنية جيدة لدعم المكفوفين، لكن الحلقة المفقودة هي التدريب الشامل للمعلمين والأسر والمؤسسات على استخدام الأسطر الإلكترونية (Braille Displays) وبرامج قراءة الشاشة بكفاءة، التقنية المساندة لا تعمل في فراغ، هي جزء من منظومة دمج حقيقية تبدأ من تكييف المناهج رقمياً وتمتد إلى بيئة العمل الفضاء السيبراني."

ويُوسّع د، عدنان الحازمي، عضو هيئة التدريس في القسم ذاته، زاوية النظر ليشمل البُعد الأكاديمي والوعي: "نحن لا نتحدث فقط عن أجهزة وبرامج، بل عن تغيير عميق في ثقافة المؤسسات تجاه الكفيف، التقنية تفتح الأبواب لكن الوعي التقني هو من يُبقيها مفتوحة، رأينا طلاباً مكفوفين يمتلكون أحدث الهواتف الذكية، لكن أساتذتهم يرسلون لهم المادة العلمية بصيغة صور (PDF غير مقروء) لا تستطيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي فك شفرتها بدقة داخل القاعة."

البصر  الرقمي

يُضيف عادل بن عابد حسين الخالدي، المتخصص في تعليم ذوي الإعاقة البصرية: "تعليم المكفوف اليوم أصبح ممكناً بصورة لم نكن نتخيلها، برامج قراءة الشاشة ومحوّلات برايل الرقمية وتطبيقات التعرف على الصور بالذكاء الاصطناعي، كتطبيق Soundscape من مايكروسوفت الذي يُوجّه الكفيف في المناطق غير المألوفة بتقنية الصوت المكاني، فتحت آفاقاً واسعة، لكنها تظل حبراً على ورق إن لم يواكبها تأهيل للمعلم وإعداد لمنصات تعليمية متوافقة مع معايير الوصول الشامل."

يحمل مهند المحفدي، الشاب الكفيف البالغ خمسة وعشرين عاماً، صوت شريحة واسعة عندما يقول بصراحة: "الخدمات التقنية المتخصصة شحيحة جداً، والمشكلة ليست في غياب القرارات، بل في الهوة بين ما هو مكتوب في اللوائح التقنية وما نختبره كمكفوفين عند تصفح المواقع يومياً، تُطلق منصات عديدة ونحاول استخدامها، لنتفاجأ بأن الأزرار البرمجية غير مصنفة، مما يجعل قارئ الشاشة عاجزاً عن قراءتها، لتبقى احتياجاتنا معلّقة بسبب خطأ برمجي بسيط."

الدولة  تتحرك

على المستوى الوطني، لا يمكن إغفال الجهود المؤسسية التي تضخها الدولة في هذا الملف، فقد سعت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا" إلى تمكين المكفوفين عبر تيسير استعراض البطاقة الرقمية "تسهيلات" من خلال تطبيق "توكلنا" المتوافق برمجياً مع الأدوات المساعدة، كما تُقدّم هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة منظومة خدمات إلكترونية تشمل طلب الأجهزة التقنية المعينة للكفيف رقمياً.

غير أن د، سعاد أبو زيد تُنبّه إلى أن الخدمة الرقمية لا تكتمل إلا بالوصول الرقمي ذاته: "كيف نطلب من شخص كفيف أن يستخدم منصة حكومية إذا كانت تلك المنصة غير مُصمَّمة وفق معايير الإتاحة الرقمية العالمية (WCAG)؟ التحول الرقمي يجب أن يشمل المكفوفين لا أن يتخطاهم، كل موقع حكومي وكل تطبيق رسمي يجب أن يكون متاحاً بالكامل وقابلاً للتصفح السلس لمن يستخدم برامج مثل VoiceOver أو TalkBack."

جيل لا  ينتظر

في مقابل الصعوبات، تبرز نماذج شبابية ترفض الاستسلام وتنتزع فرصها من رحم التحدي، يقول نواف المطيري، طالب كفيف في جامعة طيبة يواكب التحول الرقمي عن كثب: "الجيل الحالي من المكفوفين لم يعد ينتظر أن تأتيه الكتب مطبوعة بلغة برايل الكلاسيكية، نحن نبحث عن المعرفة ونُطوّع التقنية لاحتياجاتنا، تطبيقات المسح الضوئي (OCR) والمساعدات الصوتية باتت جزءاً من حياتنا اليومية، فقدان البصر لا يمنعك من القراءة، وإنما يفرض عليك استخدام أداة مختلفة."

يُعبّر عبدالعزيز باسلامة بدوره عما صنعته التقنية في حياته الدراسية: "قبل أن أعرف قارئ الشاشة، كنت أنتظر من يقرأ لي المادة العلمية، اليوم، أقرأ وحدي في أي وقت وأي مكان، هذه التقنية أعادت إليّ استقلاليتي،" ويُشارك سعود بن ناصر هذا الشعور بقوله: "حين استخدمت تطبيقاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي ليصف لي تفاصيل القاعة الدراسية ومن يجلس أمامي، شعرت للمرة الأولى أنني لست محتاجاً إلى مرافق بشري في كل خطوة أخطوها داخل الجامعة."  

ثورة في  الجيب

لا يحتاج المرء إلى مختبر أبحاث ليرى الثورة التقنية للمكفوفين؛ يكفي أن يفتح متجر التطبيقات ليجد عالماً كاملاً، تطبيق "Be My Eyes" يربط الكفيف بمتطوع يصف له ما تراه الكاميرا، وتطبيقات مثل "Seeing AI" تقرأ النصوص المطبوعة وتتعرف على المنتجات والعملات، فيما برامج قراءة الشاشة كـ"JAWS" تُحوّل العالم النصي إلى كلام منطوق، هذه الأدوات لم تعد رفاهية بل ضرورة حياتية، غير أن الفجوة بين وجودها ووعي بعض المكفوفين والمؤسسات بها لا تزال واسعة.

تقول د، سعاد أبو زيد، الحائزة على جائزة في تدريس لغة برايل: "التقنية المساندة للمكفوفين لم تعد خياراً ترفيهياً، بل هي الحق الكامل في الوصول إلى المعرفة، لغة برايل الرقمية تصنع فارقاً حقيقياً في مسيرة الطالب الكفيف، لكن المشكلة أننا نملك الأدوات ولا نُدمجها بكفاءة في البنية التحتية للمدارس والجامعات، ما نحتاجه اليوم ليس فقط توزيع حواسيب ناطقة، بل بناء بيئة تعليمية رقمية كاملة."

أرقام واحصائيات

تحتضن  جامعة طيبة بالمدينة المنورة أعداداً متزايدة من الطلاب والطالبات المكفوفين، وقد أنشأت إدارة متخصصة لرعايتهم تعمل على دمج الأنظمة الذكية المساندة وتطوير البنية التحتية الرقمية، كما نظّمت هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة مطلع عام 2026 ملتقى لتمكين القبول في الجامعات لمعالجة تحديات إتاحة التخصصات وتوفير الممكنات التقنية، غير أن الأرقام الرسمية وحدها لا تروي كامل القصة.

يقول سعود بن ناصر، الطالب الكفيف البالغ من العمر اثنين وعشرين عاماً: "المشاكل التقنية التي تواجهنا كثيرة بصفتنا نعتمد كلياً على الصوت واللمس، من أبرز ما نعانيه عدم توافق أنظمة الجامعة الإلكترونية لإدارة التعلم مع قارئات الشاشة، وغياب الوصف النصي البديل (Alt Text) للصور والمخططات في المحاضرات، وهذا يبدو بسيطاً للمبرمج، لكنه يُحدث فارقاً كبيراً ويصيبنا بالإحباط في يومنا الدراسي."

وعود  معلّقة

يضيف عبدالعزيز أحمد باسلامة، طالب كفيف في الجامعة ذاتها: "أكبر مشكلة من وجهة نظري هي الاختبارات الإلكترونية غير المهيأة، وهذا يُصعّب علينا أداء الامتحانات باستقلالية تامة، فنجد أنفسنا أمام خيارين أحلاهما مُر: إما طلب كاتب بشري قد يخطئ في نقل إجاباتنا، أو مواجهة نظام إلكتروني صامت،" ويُكمل خالد عواد الحربي الصورة قائلاً: "من الصعوبات التي تواجهني أيضاً شح المراجع العلمية المتوفرة بصيغ رقمية ميسرة (Word أو HTML)، وقد قدّمنا ملاحظات بذلك وتلقينا وعوداً بتوفير مكتبة رقمية ناطقة، لكن الوعود وحدها لا تقرأ لنا المناهج المعقدة."

الإعلام  شاهد 

تُلفت أميرة المطيري، رائدة نادي أبعاد الإعلامي في جامعة طيبة، النظر إلى غياب شبه كامل للإعلام المتخصص في القضايا التقنية للمكفوفين: "نادراً ما نجد تحقيقاً صحفياً معمّقاً يتناول الفجوة الرقمية التي يعاني منها الكفيف في مؤسساتنا، الصحفي الذي يُغطي هذا الملف يجب أن يعرف الفرق بين برايل الورقي وبرايل الرقمي، وأن يفهم طبيعة عمل قارئات الشاشة، وإلا أنتج محتوى مُضلّلاً يركز على العجز بدلاً من الحلول التمكينية."

وتُعزز سارة الردادي، خريجة قسم الاتصال والإعلام، هذه الرؤية من منظورها الشبابي: "الإعلام مدعو اليوم لتجاوز الدور التقليدي في تغطية قضايا المكفوفين من زاوية الظلام والشفقة، نحو زاوية التقنية والقدرة، الكفيف الذي يستخدم الذ الذكاء الاصطناعي لبرمجة موقع أو كتابة بحث علمي هو قصة نجاح يجب أن تتصدر نشراتنا الإخبارية."

معالجات وحلول

يتفق الأكاديميون والطلاب الذين التقيناهم على أن الحل لا يكمن في توفير جهاز ناطق فقط، بل في منظومة متكاملة، يرى د، غيثان العمري أن الخطوة الأولى هي إدراج تدريب فعلي على التقنية المساندة للمكفوفين ضمن مناهج إعداد المعلمين.

ويذهب د، عدنان الحازمي إلى مطالبة الجامعات بتشكيل لجان فحص رقمية تضم الطلاب المكفوفين أنفسهم لاختبار المواقع والأنظمة قبل إطلاقها، أما عادل الخالدي فيُلحّ على أن إلزام المنصات الحكومية والتعليمية بتطبيق معايير الوصول الشامل للمكفوفين (W3C/WCAG) ليس ترفاً، بل هو شرط لكي يكون التحول الرقمي عادلاً، وعلى صعيد الوعي المجتمعي والأكاديمي،

 تشدد أميرة المطيري وسارة الردادي على ضرورة توعية الأساتذة بطرق تنسيق الملفات الرقمية لتكون قابلة للقراءة آلياً، مما يفتح أمام الكفيف بوابات الاندماج الفعلي.

إن المملكة العربية السعودية تملك الإرادة والموارد لإحداث نقلة نوعية حقيقية للمكفوفين، ما ينقص أحياناً هو ذلك الخيط البرمجي الرفيع الذي يصل هذه الممكنات بالمستخدم على شاشة هاتفه أو حاسوبه، التقنية لن تقرأ كتاباً بدل الأستاذ الذي يصر على إرسال ملفات صورية صامتة، والتطبيق الذكي لن يُعوّض المنصة الجامعية التي ترفض التعرف على قارئ الشاشة، الدمج الحقيقي يبدأ حين يتصفح الكفيف الفضاء الرقمي بكرامة واستقلالية، ليس لأن المبرمج تعاطف معه، بل لأن النظام صُنع ليتسع للجميع. 

شارك المحتوى:

💬 التعليقات (٠)

سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره.

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلّق!

محتوى ذو صلة