مقال

سوق العمل: أين يقف المكفوف؟

استعراض لواقع المكفوفين في سوق العمل السعودي، والفرص المتاحة، والتحديات التي تحول دون توظيفهم رغم كفاءتهم.

✍️ ش شهد الجابري
📅 ٠٨ أبريل ٢٠٢٦ 👁 ٣ مشاهدة
سوق العمل: أين يقف المكفوف؟

أدرك أن دولتنا على مستوى العمل المؤسسي واعية لمسألة تمكين المكفوفين، وتسنّ أنظمة وتشريعات تضمن لهم حق التعليم والعمل والاندماج، وتدفع الجهات نحو بيئات أكثر شمولًا وعدالة لكنني، وعلى مستوى الواقع اليومي، لست متأكدة أن سوق العمل يترجم هذا الوعي إلى ممارسة حقيقية يشعر بها المكفوف وهو يبحث عن وظيفة، أو وهو يجلس خلف مكتبه في يومه الأول.

 

بين النصوص النظامية والتجربة الإنسانية مسافة لا يقطعها إلا الوعي.

 

المكفوف لا يبحث عن شفقة، ولا ينتظر معاملة استثنائية، بل يسعى إلى فرصة عادلة تثبت كفاءته ومع ذلك لا يزال أول سؤال غير معلن يواجهه في مقابلات التوظيف: كيف سيعمل؟ بدلًا من: ماذا يستطيع أن يقدّم؟ وكأن فقدان البصر يسبق المهارة، ويتصدر المشهد قبل الخبرة.

 

المشكلة ليست في قدرة المكفوف على العمل؛ فالتقنيات المساندة اليوم جعلت الحاسب والهاتف أدوات ناطقة، والبيئات الرقمية أكثر قابلية للوصول من أي وقت مضى المشكلة الحقيقية في الصورة الذهنية الراسخة لدى بعض جهات العمل، التي ترى في توظيف المكفوف عبئًا إداريًا، أو مسؤولية إضافية، أو مجازفة  غير مضمونة.

 

بينما الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن المكفوف غالبًا يمتلك مهارات استثنائية في التركيز، والإنصات، والتحليل، والاعتماد على الذاكرة، والعمل المنظم وهي مهارات جوهرية في وظائف متعددة، من خدمة العملاء إلى التحرير والبرمجة والتدريب والإرشاد.

 

ما ينقص سوق العمل ليس الأنظمة، بل القناعة.

 

القناعة بأن الدمج ليس فعل إحسان، بل استثمار في كفاءة وأن تهيئة بيئة العمل لا تُعد تكلفة إضافية، بل تحسينًا عامًا يستفيد منه الجميع وأن التنوع داخل فرق العمل ليس شعارًا دعائيًا، بل مصدر قوة حقيقي.

 

ألاحظ أن بعض الجهات توظف المكفوف لتكمل نسبة، أو لتظهر بمظهر المسؤول اجتماعيًا، دون أن تمنحه المهام الحقيقية التي تليق بقدراته فيتحول وجوده إلى صورة رمزية، لا دور فعلي وهذا الشكل من “الدمج الصوري” أخطر من الإقصاء؛ لأنه يوهمنا أن المشكلة حُلّت، بينما هي لا تزال قائمة في العمق.

 

التمكين الحقيقي يبدأ عندما يُعامل المكفوف كموظف أولًا، لا كحالة خاصة.

 

عندما يُسأل عن مهاراته، لا عن فقدانه للبصر وعندما يُقيّم بأدائه لا بظروفه وعندما يُمنح فرصة التقدم والترقي، لا أن يبقى محصورًا في أدوار محدودة يظن البعض أنها “مناسبة له”.

 

سوق العمل اليوم يمر بمرحلة تحوّل كبرى، مدفوعة بالتقنية ورؤية التنمية، وهذه التحولات تمثل فرصة ذهبية لإعادة تعريف مفهوم القدرة والإنتاج فالعمل لم يعد يعتمد على الجهد البدني بقدر ما يعتمد على المعرفة والمهارة والقدرة على التعامل مع الأدوات الرقمية وهي مساحة يتقاطع فيها المكفوف مع غيره دون فروق تُذكر، إن وُجدت البيئة المناسبة.

 

من وجهة نظري التحدي الحقيقي ليس في توظيف المكفوف بل في تغيير السؤال الذي نطرحه عنه.

 

بدل أن نسأل: هل يستطيع أن يعمل؟ علينا أن نسأل: لماذا لم نهيئ البيئة بعد ليستطيع أن يعمل؟

 

هذا التحول في السؤال هو ما يصنع الفرق بين سوق عمل يستوعب المكفوفين، وسوق عمل يضع حواجز غير مرئية لا يراها إلا من يصطدم بها يوميًا.

 

وكما أن الوعي المجتمعي هو الحارس للهوية، فإن الوعي المؤسسي هو الحارس للعدالة المهنية.

 

فالعدالة لا تتحقق بسنّ القوانين فقط، بل بتغيير القناعات، وتدريب الكوادر، وقياس التجربة من منظور المكفوف نفسه، لا من تقارير الإنجاز وعندما يصبح وجود المكفوف في بيئة العمل أمرًا طبيعيًا لا يلفت الانتباه، سنعرف حينها أننا تجاوزنا مرحلة التعاطف إلى مرحلة الدمج الحقيقي.

 

سوق العمل لا يُقاس بعدد الوظائف المتاحة، بل بعدد الفرص العادلة.

 

والمكفوف لا يقف خارج هذا السوق، لكنه لا يزال ينتظر أن يُفتح له الباب دون أن يُطلب منه أولًا أن يثبت أنه يستحق الدخول.

 

شارك المحتوى:

💬 التعليقات (٠)

سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره.

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلّق!

محتوى ذو صلة